جان لوئيس بوركهارت
295
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
على مقربة من النهر . وأنفقنا في هذا ثلاث ساعات حططنا بعدها على شاطىء رملى قرب النهر رأيت على أرضه هياكل عظمية لتماسيح متوسطة الطول . واستوت الأرض أمام ناظرى فلم يبد فيها أثر لتل ولا لنجد ، فأنى سرحت الطرف وجدت الأفق منبسطا لا نشز فيه . والإقليم سهل مستو على يمين النهر ويساره . وكانت الجرذان الكثيرة تعدو بين قوائم الإبل في كل خطوة تخطوها ، والعبيد يلهون بصيدها اليوم كله . ومن هذا الموضع اتخذنا طريقا مستقيما مخلفين النهر إلى يميننا ، وسرنا فوق سهل محصب رملى متجهين جنوبا ثم عدنا إلى النهر ثانية بعد رحلة عشر ساعات في يومنا هذا . أول يونيو - مضينا نتبع مجرى النهر . وتحفل الضفتان بالشجر ، والإقليم ملك لبنى كرب ، وأرضه خصبة ولكن لا يبدو عليها أثر لزراعة ، ويظهر أن سكان الحلل أو المضارب لا يعرفون لهم صناعة غير الرعى . وقد قدرت عرض النهر في إحدى بقاعه - حين دنونا منه - بمسيرة عشر دقائق تقريبا . وبعد أربع ساعات مررنا بأم داود ، وهي مضرب كبير من مضارب قبيلة العقاب إحدى قبائل البشارية ، وهذا أقصى حدود أملاك البشاريين جنوبا وبداية أملاك الهدندوة ، وهم قبيلة ذات بأس سأعود إلى ذكرها . وكان ابن شيخهم راجعا معنا من شندى ، لذلك لم يكن هناك ما يثير مخاوفنا منهم اللهم إلا أن نخشى لصوصيتهم . وحطت القافلة قرب القرية فسرت إلى الأكواخ متطلعا ، وأثار مظهرى بين القوم صيحة دهشة ورعب - وهو ما كان يثيره على الدوام في هذه البلاد - لا سيما بين النساء اللائي اشتد بهن الفزع حين رأين رجلا ممن لفظتهم الطبيعة - أعنى البيض - يتطلع داخل أكواخهن ويسألهن بعض الماء أو اللبن . ووضح لي أن أول شعور يبعثه منظرى في القوم هو شعور التقزز والاشمئزاز ، فالزنوج يؤمنون إيمانا راسخا بأن بياض البشرة أثر من آثار المرض وعلامة من علامات الضعف ، وما من شك في أنهم ينظرون إلى الرجل الأبيض نظرتهم إلى مخلوق أدنى منهم وأحط شأنا . وأهل شندى أكثر تعودا ، إن لم يكن على رؤية البيض ، فعلى رؤية عرب شبه الجزيرة السمر . ولما كانت بشرتى قد لوحتها الشمس فإني لم أكن أثير بينهم كبير دهشة .